سيد قطب

111

في ظلال القرآن

وشرفها ومكانتها . وقد وصل السياق فيما مضى إلى الحديث عن دعاوى اليهود والنصارى العريضة في الجنة : « وَقالُوا : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى » . . وعن محاولتهم أن يجعلوا المسلمين يهودا أو نصارى . . ليهتدوا . . « وَقالُوا : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا » . . كذلك وصل إلى الحديث عن الذين يمنعون مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه ويسعون في خرابها . وقلنا هناك : إنها قد تكون خاصة بموقف اليهود من قضية تحويل القبلة ، وبالدعاية المسمومة التي أثاروها في الصف الإسلامي بهذه المناسبة . فالآن يجيء الحديث عن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ؛ والحديث عن البيت الحرام وبنائه وعمارته وشعائره . . في جوه المناسب ، لتقرير الحقائق الخالصة في ادعاءات اليهود والنصارى والمشركين جميعا حول هذه النسب وهذه الصلات . ولتقرير قضية القبلة التي ينبغي أن يتجه إليها المسلمون . . كذلك تجيء المناسبة لتقرير حقيقة دين إبراهيم - وهي التوحيد الخالص - وبعد ما بينها وبين العقائد المشوهة المنحرفة التي عليها أهل الكتاب والمشركون سواء ؛ وقرب ما بين عقيدة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب - وهو إسرائيل الذي ينتسبون إليه - وعقيدة الجماعة المسلمة بآخر دين . ولتقرير وحدة دين اللّه ، واطراده على أيدي رسله جميعا ، ونفي فكرة احتكاره في أيدي أمة أو جنس . وبيان أن العقيدة تراث القلب المؤمن لا تراث العصبية العمياء . وأن وراثة هذا التراث لا تقوم على قرابة الدم والجنس ولكن على قرابة الإيمان والعقيدة . فمن آمن بهذه العقيدة ورعاها في أي جيل ومن أي قبيل فهو أحق بها من أبناء الصلب وأقرباء العصب ! فالدين دين اللّه . وليس بين اللّه وبين أحد من عباده نسب ولا صهر ! ! ! هذه الحقائق التي تمثل شطرا من الخطوط الأساسية في التصور الإسلامي ، يجلوها القرآن الكريم هنا في نسق من الأداء عجيب ، وفي عرض من الترتيب والتعبير بديع . . يسير بنا خطوة خطوة من لدن إبراهيم - عليه السلام - منذ أن ابتلاه ربه واختبره فاستحق اختياره واصطفاءه ، وتنصيبه للناس إماما . . إلى أن نشأت الأمة المسلمة المؤمنة برسالة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - استجابة من اللّه لدعوة إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت الحرام ؛ فاستحقت وراثة هذه الأمانة دون ذرية إبراهيم جميعا ، بذلك السبب الوحيد الذي تقوم عليه وراثة العقيدة . سبب الإيمان بالرسالة ، وحسن القيام عليها ، والاستقامة على تصورها الصحيح . وفي ثنايا هذا العرض التاريخي يبرز السياق : أن الإسلام - بمعنى إسلام الوجه للّه وحده - كان هو الرسالة الأولى ، وكان هو الرسالة الأخيرة . . هكذا اعتقد إبراهيم ، وهكذا اعتقد من بعده إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، حتى أسلموا هذه العقيدة ذاتها إلى موسى وعيسى . . ثم آلت أخيرا إلى ورثة إبراهيم من المسلمين . . فمن استقام على هذه العقيدة الواحدة فهو وريثها ، ووريث عهودها وبشاراتها . ومن فسق عنها ، ورغب بنفسه عن ملة إبراهيم ، فقد فسق عن عهد اللّه ، وقد فقد وراثته لهذا العهد وبشاراته . عندئذ تسقط كل دعاوى اليهود والنصارى في اصطفائهم واجتبائهم ، لمجرد أنهم أبناء إبراهيم وحفدته ، وهم ورثته وخلفاؤه ! لقد سقطت عنهم الوراثة منذ ما انحرفوا عن هذه العقيدة . . وعندئذ تسقط كذلك كل دعاوى قريش في الاستئثار بالبيت الحرام وشرف القيام عليه وعمارته ، لأنهم قد فقدوا حقهم في وراثة باني هذا البيت ورافع قواعده بانحرافهم عن عقيدته . . ثم تسقط كل دعاوى اليهود فيما يختص بالقبلة التي ينبغي أن يتجه إليها المسلمون . فالكعبة هي قبلتهم وقبلة أبيهم إبراهيم . . كل ذلك في نسق من العرض والأداء والتعبير عجيب ؛ حافل بالإشارات الموحية ، والوقفات العميقة